عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

256

اللباب في علوم الكتاب

أخاف معبوداتكم في وقت قط ؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرّة ، إلّا إذا شاء ربّي » . وجعله أبو « 1 » البقاء حالا ، فقال : تقديره إلّا في حال مشيئة ربّي ، أي : لا أخافها في كلّ حال إلّا في هذه الحال . وممن ذهب إلى انقطاعه ابن عطية « 2 » ، والحوفي ، وأبو البقاء في أحد الوجهين . فقال الحوفي : تقديره : « ولكن مشيئة اللّه إيّاي بضرّ أخاف » . وقال غيره : معناه : ولكن إن شاء ربّي شيئا ، أي سواء فيكون ما شاء . وقال ابن عطية « 3 » : استثناء ليس من الأوّل ، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضرّا ، استثنى مشيئة ربّه في أن يريده بضرّ . قوله : « شيئا » يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب على المصدر تقديره : إلّا أن يشاء ربي شيئا من المشيئة . والثاني : أنّه مفعول به ل « شيئا » ، وإنما كان الأوّل أظهر لوجهين : أحدهما : أن الكلام المؤكّد أقوى وأثبت في النّفس من غير المؤكّد . والثاني : أنّه قد تقدّم أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكران إلّا إذا كان فيهما غرابة كقوله : [ الطويل ] 2226 - ولو شئت أن أبكي دما لبكيته * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 4 » فصل في بيان معنى الاستثناء إنما ذكر عليه الصّلاة والسّلام هذا الاستثناء ؛ لأنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنّه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - ذلك حتى إنّه لو حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب . وقوله : « وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً » يعني : أنه عالم الغيوب ، فلا يفعل إلّا الخير والصلاح والحكمة ، فبتقدير أن يحدث من مكاره الدنيا شيء ، فذلك ؛ لأنه - تعالى - عرف وجه الصّلاح والخير فيه ، لا لأجل أنه عقوبة على الطّعن في إلهية الأصنام . قوله : « علما » فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب على التمييز ، وهو محوّل عن الفاعل ، تقديره : « وسع علم ربّي كلّ شيء » كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] أي : شيب الرأس .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 250 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 315 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 315 . ( 4 ) تقدم برقم 270 .